منتدى الحياة الموصلية

منتدى الحياة الموصلية

منتدى ( ادبي - علمي - ثقافي - رياضي )


    من سورتي المعارج وعبس

    شاطر
    avatar
    جاسم شلال
    مشرف مساعد
    مشرف مساعد

    عدد المساهمات : 392
    نقاط : 1143
    تاريخ التسجيل : 27/09/2010
    العمر : 50

    من سورتي المعارج وعبس

    مُساهمة من طرف جاسم شلال في السبت يوليو 16, 2011 3:38 pm

    من سورتي المعارج وعبس
    من سورة المعارج
    ( بَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (11) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (12) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (13) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ (14) كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (15) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (16) تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (17) وَجَمَعَ فَأَوْعَى (18) إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22))
    من سورة عبس
    (فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (33) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (37)
    ***
    بدا في سورة (عبس )بذكر الاخ فالام فالاب فالصاحبة ثم الابناء في الاخير .
    وفي سورة المعارج على عكس ذلك , فقد بدا بالابناء , فالصاحبة فالاخ فالفصيلة , ثمن انتهى باهل الارض اجمعين . وسبب ذلك واللله اعلم ان المقام في (عبس )مقامالفرار والهرب , قال تعالى : (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ ) والانسان يفر من الاباعد اولاً , ثم ينتهي بالصق الناس به واقربهم اليه . فيكونون اخر من يفر منهم . والاخ ابعد المذكورين في الاية من المرء . وان الصقهم به زوجه وابناؤه . فنحن ملتصقون في حياتنا بازواجنا وابنائنا اكثر من التصاقنا باخواننا وابائنا وامهاتنا فقد تمر شهور بل ربما اعوام ونحن لانرى اخواننا في حين ناوي كل يوم الى ازواجنا وابنائنا .
    والانسان قدج يترك امه واباه ليعيش مع زوجه زابنائه وهو الصق بابنائه من زوجه , فقد يفارق زوجه ويسرحها ولكن لايترك ابنه .
    فالابناء اخر من يفر منهم المرء ويهرب .
    وهكذا رتب المذكورين في الفرار بحسب العلائق , فأقواهم به علاقة هو آخر من يفر منه , فبدأ بالأخ ثم الأُم ثم الأب . وقدم الأُم على الأب , ذلك أن الأب اقدر على النصرة والمعاونة من الأُم . وهو اقدر منها على الإعانة في الرأي والمشورة , واقدر منها على النفع والدفع . فالأُم في الغالب ضعيفة تحتاج إلى الاعانة بخلاف الأب . والإنسان هنا في موقف خوف وفرار وهرب , فهو اكثر التصاقاً في مثل هذه الظروف بالاب لحاجته إليه , ولذا قدم الفرار من الام على الفرار من الاب , وقدم الفرار من الاب على الفرار من الزوجة , لمكانة الزوجه من قلب الرجل وشجة علاقته بها , فهي حافظة سره وشريكته في حياته , ثم ذكر الفرار من الابناء في آخر المطاف , ذلك لأنه الصق بهم وهم مرجوون لنصرته ودفع السوء عنه اكثر من كل المذكورين .
    هذا هو السياق في (عبس) سياق الفرار من المعارف واصحاب العلائق اجمعين للخلو إلى النفس , فإن لكل امريء شأناً يشغله وهماً يغنيه .
    أما السياق في سورة المعارج , فهو مختلف عما في (عبس) ذلك انه مشهد من مشاهد العذاب الذي لا يُطاق , فقد جيء بالمجرم , ليقذف به في هذا الجحيم المستعر , وهذا المجرم يودُّ النجاةَ بكل سبيل ولو أدى ذلك إلى أنْ يبدأ بابنه , فيضعفه في دركات لظى . فرتب المذكورين ترتيباً آخر يقتضيه السياق , وهو البدء بالأقربِ إلى القلب والاعلق بالنفس فيفتدي به فضلاً عن الآخرين .
    لقد وردت في السياق جملة أمور تقتضي هذا الترتيب منها :
    1- إنه ذكر أن هذا المفتدي (المجرم) وليس امرءاً اعتيادياً , والمجرم مستعد لفعل أي شيء لينجو ولوا أن يبدأ بأقرب المقربين إليه وأحبهم إلى قلبي فيضعه في السعير . وهو لا يهمه أن يفتدي بالناس أجمعين فيضعهم مكانه في أطباق النيران بذنب لم يرتكبوه وانما ارتكبه هو .
    2- جرى ذكر القرابات قبل هذا المشهد فقال : (( وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (10) )) . والحميم القريب , فبدا بافرب القرابة وهم الابناء , ثم انتهى الى الاباعد وهم من في الارض عموماً .
    3- ذكر بعد هذه الاية ان الانسان ((خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعً(21) فلما ادرك المجرم العقاب وايقن انه مواقعه لا محالة ادرك الهلع والجزع , ومن اظهر مظاهر هذا الهلع والجزع ان يبدا باقرب الناس واحبهم الايه فيفتدي به .
    4- ان البدا باقرب الناس واحبهم اليه والصقهم بقلبه ليفتدي به , يدل على ان العذاب فوق التصور , وهو له ابعد من الخيال بحيث جعله يبدا باقرب الناس اليه , ونتخلل عن كل مساومة .
    جاء في ( انوار التنزيل ) في قوله تعالى : ((يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ .... (11))) : (( ان ذلك لبيان ان اشتغال كل مجرم بنفسه بلغه به الى حيث يتمنى ان يفتدي باقرب الناس اليه واعلقه بقلبه , فضلاً ان اهتم بحاله ويسال عنها )) (1).
    فرتبهن ترتيباً اخر نبتدئاً بالابناء فالزوجة فالاخ فالفصيلة , وفيهم الابوان ثم انتهى باهل الارض اجمعين , فلا يبقى احد غيره .
    وهناك جانب فني اخر , غير التقديم والتاخير , وهو اختيار لفظ (المرء) في اية (عبس) على (الانسان فقال : ((يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ)) في حين قال قبل هذه الايات : (( قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ )) وقال : ((فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ ( 24) )) , ذلك ان الاصل في كلمة (المرء) ان تطلق على الرجل , وقد تؤنث هذه الكلمة فيقال : ( المراة ) وجمع المرء الرجال من غير لفظه , وقد تطلق على الانسان ايضاً (2) .
    فاختيار ( المرء ) ههنا اوفق من ( الانسان )ذلك انه ذكر الفرار من الصاحبة , وهي الزوجة فقال : ((وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ)) فناسب ههنا ذكر ( المرء ) لأن (الانسان) كلمة تشمل الذكر وانثى , في حين ان الفارّ من الصاحبة هو الرجل .
    ثم إن اختيار كلمة (المرء) أوفق لسبب آخر ذلك ان مشهد الفرار يوم القيامة لا يختص بالانسان , بل هو عام يشمل رجال الثقلين من الجن والانس , وان كلمة رجل ورجال تطلق على هذا الجنس من الثقلين , قال تعالى : ((وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (6) )) [ الجن ] .
    فكلمة (مرء) اعم من كلمة (انسان) من ناحية واخص منها من ناحية أخرى , فهي قد تستعمل للرجل خاصة فتكونأخص من كلمة (انسان) التي تشمل عموم البشر من الذكور والاناث , وقد تستعمل لغير الانسان , اعني الجن الذين يشملهم الفرار في الآخرة , فتكون اعم بهذا المعنى في حسن ان المعني بالآيات السابقة هو (الانسان) فقط (( فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (25) . . . إلخ )) وهذا خاص بالانسان .
    ثم ان اختيار كلمة (مرء) أنسب من كلمة (رجل) أيضاً ذلك ان (المرء) يشمل الصغار والكبار فهي اعم من كلمة (رجل) التي تشمل الكبار من هذا الجنس في جين ان مشهد الفرار يتنظم الثقلين أجمعين .
    فانظر كيف اختار كلمة (مرء) بدل (إنسان) و (رجل) لاعتبارات متعددة . فهي أعني (المرء) تعني الانسان , وتعني الرجل , ثم هي لا تخص رجال الانس , بل تعمهم وتعم رجال الجن , ولا تختص الكبار بل تشمل الكبار والصغار .
    فانظر كيف اختار اوفق كلمةٍ وانسابها لهذا المقام .
    وثمة لمسة فنية اخرى , وهي وضع كل مشهد في السورة المناسبة له .فقد وضع مشهد الفرار من الشيء والانصراف عنه . والعبوس أيضاً هو نوع من أنواع الفرار النفسي من الشيء بعكس الألفة والانشراح له .
    والتلهي عن الشيء , هو الفرار منه بصورة ما , اعني ما ورد في قوله تعالى : ((وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (Cool وَهُوَ يَخْشَى (9) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (10) )) [ عبس ] .
    فوضع مشهدٍ الفرار الاكبر في الاخرة في (عبس) مناسب لجو السورة ايما مناسبة .
    ووضع مشهد العذاب الاكبر الذي ذكره بقوله : (( كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (15) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (16) تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (17) وَجَمَعَ فَأَوْعَى (18) )) في سورة المعارج التي تبدأ بقوله : (( سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (1) لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (2) )) . أنسب شيء واحسنه .
    فوضع مشهد العذاب في السورة التي تبدأ بالعذاب .
    ووضع مشهد الفرار في السورة التي تبدأ بنوع من أنواع الفرار . فما احسن التناسب والاختيار في الموطنين !
    من سورتي المعارج والقارعة
    قال تعالى في سورة المعارج (( وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (9) )) .
    وقال في سورة القارعة : (( وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (5) )) .
    فزاد كلمة (المنفوش) في سورة القارعة على ما في المعارج فما سبب ذاك ؟
    والجواب :
    1- انه لما ذكر القارعة في اول السورة , والقارعة من القرع , وهو الضرب بالعصا , ناسب ذلك بالمقراع (وهو من القرع ) وهو فاس عظيم تحطم به الحجارة , فناسب ذلك النفش أيضاً . فلفط القارعة انسب شيء لهذا التعبير . كما نسب ذكر القارعة ذكر (الفراش المبثوث) في قوله: ((يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ(4) )) أيضاً لأنك اذا قرعت طار الفراش وانتشر . ولم يحسن ذلك (الفراش) وحده كما لم يحسن ذلك (العهن) وحده .
    2- ان ما تقدم من ذكر اليوم الآخر في سورة القارعة , أهول وأشد مما ذكر في سورة المعارج فقد قال في سورة المعارج : (( تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (4) فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (5) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (6) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (7) )) وليس متفقاً على تفسير ان المراد بهذا اليوم , هو اليوم الآخر . وإذا كان المقصود ب اليوم الآخر فانه لم يذكر إلى طول ذلك اليوم , وانه تعرج الملائكة والروح فيه . في حين قال في سورة القارعة : (( الْقَارِعَةُ (1) مَا الْقَارِعَةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (3) )) فكرر ذكرها وعظمها وهولها . فناسب هذا التعظيم والتهويل ان يذكر ان الجبال تكون فيه كالعهن المنفوش .
    وكونها كالعهن المنفوش اعظم اهول من ان تكون كالعهن من غير نفش كما هو ظاهر .
    3- ذكر في سورة المعارج ان العذاب (واقع) وانه ليس له دافع (( سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (1) لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (2) )) ووقوع الثقل على الصوف , من غير دفع له لا ينفشه بخلاف ما في القارعة , فانه ذكر القرع وكرره , والقرع ينفشه وخاصة إذا تكرر , فناسب ذلك ذكر النفش فيها أيضاً .
    4- التوسع والتفصيل في ذكر القارعة حسن ذكر الزيادة والتفصيل فيها , بخلاف الاجمال في سورة المعارج , فانه لم يزد على ان يقول : (( فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (4) )) .
    5- ان الفواصل في السورتين تقتضي ان يكون كل تعبير في مكانه ففي سورة القارعة , قال تعالى : (( يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (4) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (5) )) فناسبت كلمة (المنفوش) كلمة (المبثوث ) .
    وفي سورة المعارج قال : (( يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (Cool وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (9) )) فناسب (العهن) (المهل ) .
    6- ناسب ذكر العهن المنفوش ايضا قوله في آخي السورة : (( نَارٌ حَامِيَةٌ (11) )) لأن النار الحامية هي التي تذيب الجبال وتجعلها كالعهن المنفوش , وذلك من شدة الحرارة , في حين ذكر صفة النار في المعارج بقوله تعالى : (( كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (15) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (16) )) والشوى هو جلد الانسان . والحرارة التي تستدعي نزع الجلد الانسان اقل من التي تذيب الجبال وتجعلها كالعهن المنفوش , فناسب زيادة ( المنفوش ) في القارعة في كل ناحية والله اعلم .
    كما ان ذكر النار الحامية مناسب للقارعة من ناحية اخرى , ذلك ان (القراعة) وهي من لفظ القارعة هي القداحة التي تقدح بها النار . فناسب ذكر القارعة , ذكر الصوف المنفوش وذكر النار الحامية , فناسب آخر السورة اولها .
    وبهذا نرى ان ذكر القارعة حسن ذكر (المبثوث) مع الفراش , وذكر المنفوش مع الصوف , وذكر النار الحامية في آخر السورة . والله اعلم .


    فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (6) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (7) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (Cool فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (9) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (10)

    التفسير البياني ، فاضل السامرائي

      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة أكتوبر 19, 2018 3:25 pm